محمود سالم محمد

518

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

هذا البيت عمّا فيه من الخلل ، والثاني ، أن الناظم لم يلبث مع اختلال بيته أن ادعى له الجمع بين اثني عشر نوعا من البديع ، مع أن الأمر بخلاف ما ادعاه » « 1 » . صحيح أن الناقد بالغ وقسا ، وحمّل الكلام أكثر مما يحتمل ، إلا أن هذا يدل على أن الأدباء كانوا لا يرتاحون تماما إلى هذا اللون من النظم ، وأن الإشادة به كانت نابعة من موضوعه السامي ، وهو المدح النبوي ، ومن اشتماله على فنون البديع التي فتنت أدباء ذلك العصر وأهله ، وأن المزاوجة بين المدح النبوي والبديع لم تكن ناجحة ، ولم تضف جديدا إلى أدب ذلك العصر وبديعه ، وإن أرضت الذوق العام السائد في تلك الأيام . فالبديعيات يمكن أن تعد مرحلة وسطى بين الشعر والنظم ، هي شعر لأنها تحوي موضوعا شعريا هو المدح النبوي ، ولأنه تتخللها بعض مظاهر الشعر من فن كلامي وعاطفة وخيال ، وهي نظم علمي ، لأنها ذكر لفنون البديع ، وإيراد الشواهد عليها ، وقلما نجح شاعر في إقامة هذا التوازن ، وتحقيق المعادلة الصحيحة بين المدح النبوي والبديع ، وغالبا ما كان الجانب البديعي يطغى على الجانب الشعري في البديعيات ، وقد يكون هذا عائدا إلى أن معظم الذين شاركوا في نظم البديعيات كانوا من العلماء ، وحتى الشعراء الذين نظموا البديعيات ، والذين أحسنوا نظم المدح النبوي ، كانت شاعريتهم تضمحل حين ينظمون البديعيات ، ويبدو أنهم فهموا البديعيات على أنها منظومات تعليمية ، طعمت بموضوع سام ، ولذلك لا مجال لإظهار الشاعرية فيها ، وأن المهم فيها أن يكمل الناظم في بديعيته أصناف البديع ، وأن يمثّل لها وأن يلائم بين ذلك وبين التعبير عن معاني المدح النبوي . فالبديعيات كانت نهاية ازدياد استخدام البديع في المدح النبوي .

--> ( 1 ) ابن شهاب الدين الحضرمي : إقامة الحجة ص 54 .